الشيخ محمد الصادقي الطهراني

331

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً ( 28 ) أولى الرسالات الفذة الإلهية يحملها أول الخمسة من اولي العزم من الرسل ، نوح عليه السلام ، وقد ذكر بدعواته وما لاقاه بسببها من قومه 43 مرة في القرآن ، منها مدى دعوته : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 29 : 14 ) . وهو اللبث الرسالي لذكره هنا بعد الرسالة ، وقومه هم بنو الجن والإنسان كافة * كما في اولي العزم كافة ، ولذلك حق له ان يدعو على من على الأرض من الكافرين : « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » فلو لم تشملهم دعوته لم يحق له هكذا دعاء شامل ، ومن لطيف الأمر في دعوته الأليفة الرحيمة طوال قرونه العشرة ان القرآن يعتبره أخاهم : « إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لاتَتَّقُونَ » ( 26 : 106 ) فإنها اخوة لهم فيما سوى الايمان : ان نشأ في البيئة التي نشأوا فيها فلم يتأثر بضلالها ، وعاشرهم ودعاهم إلى اللّه كأخ رحيم ، إلى أن تأكد بالوحي ان لا خير فيهم وفي أنسالهم ، فإنما هم شر خالص : « إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلايَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » فقد صبر على اذاهم المتواصل طول الدعوة علّهم يؤمنون ، فهل يصبر إذا انقطع الأمل وتفاقم العناد منهم في ضلالهم ضد الدعوة والمؤمنين بها ، إنه صبر على الظلم والضيم وعلى انتقاض شريعة اللّه وانتقاص دعوته ، ولا يرضاه العقل والعدل ! الشريعة الأولى هل إن شريعة نوح عليه السلام هي الأولى فلم تكن قبله شريعة من الدين مع أي من النبيين ؟ أم كان الوحي إليهم يحمل تقوية الأحكام العقلية دون أن يحمل احكاما شرعية ؟ أم لم يكن قبل نوح أنبياء ؟ لا سبيل إلى الأخير والأولان هما الأوليان . فإن القرآن لا يذكر من شرائع الدين إلا خمسا محتصرة : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ( 42 : 13 ) إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ . . . ( 4 : 162 ) . وأصحاب الشرائع الخمس هم أولوا العزم من الرسل : عزم لهم في استقلال شرائعهم و